محمد بن عبد المنعم الحميري

15

الروض المعطار في خبر الأقطار

الحبل المستطيل من الرمل ، وقيل هي الرمال العظيمة ، وكثيراً ما تحدث هذه الأحقاف في بلاد الرمل لأن الريح تصنع ذلك ، وفي ذلك قال الله تعالى " واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف " ونبيهم هود عليه السلام ولما قال قائلهم " هذا عارض ممطرنا " قيل لهم " بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم " وذلك أن عاداً بغت في الأرض وملكها الخلجان ابن الدهم ، كانوا يعبدون الأصنام فبعث الله تعالى إليهم هوداً فلم يجيبوا ، فمنعوا المطر ثلاث سنين وأجدبت الأرض فم يدر لهم ضرع وكانت في نفوسهم مع ذلك هيبة الصانع والتقرب إليه بالتماثيل وعبادتها لأنها في زعمهم مقربة إليه ، وكانوا يعظمون موضع الكعبة وكان بربوة حمراء ، فوفدت عاد إلى مكة وفداً يستسقون لهم ويستغيثون وكان بمكة يومئذ العمالق ، فأتى الوفد مكة فأقبلوا على الشراب واللهو حتى غنتهم الجرادتان قينتا معاوية بن بكر بشعر فيه حث لهم على ما وردوا من أجله ، وهو : ألا يا قيل قم عجلاً فهينم * لعل الله يسقينا غماما فيسقي أرض عاد إن عاداً * قد أمسوا لا يبينون الكلاما وإن الوحش تأتي أرض عاد * فلا تخشى لعادي سهاما وأنتم هاهنا فيما اشتهيتم * نهاركم وليلكم التماما فقبح وفدكم من وفد قوم * ولا لقوا التحية والسلاما فاستيقظ القوم من غفلتهم وبادروا إلى الاستسقاء لقومهم ، فكان من أمرهم في مجيء السحب واختيارهم لما اختاروه منها ما هو مشهور ، وذلك أن الله تعالى أنشأ سحائب : بيضاً وحمراً وسوداً ثم نادى مناد من السحاب : يا قيل اختر لقومك ، وكانوا قالوا : اللهم إن كان هود صادقاً فاسقنا ، فقال : اخترت السحابة السوداء ، فقيل له : اخترت رمداً رمدداً ، لا تبقي من عاد أحداً ، لا والداً ولا ولداً ، إلا جعلته همداً ، وساق الله تعالى السحابة السوداء بالنقمة إلى عاد ، وفيهم يقول مرثد بن سعد : عصت عاد رسولهم فأضحوا * عطاشاً ما تبلهم السماء ألا قبح الإله حلوم عاد * فإن قلوبهم قفر هواء فأرسل الله تعالى عليهم الريح العقيم كما قال عز وجل " ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم " خرجت عليهم من واد لهم ، فلما رأوا ذلك قالوا " هذا عارض ممطرنا " وتباشروا بذلك ، فلما سمع هود ذلك من قولهم قال " بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم " ، فأتتهم الريح يوم الأربعاء فلم تأتهم الأربعاء الثانية ومنهم حي ، فمن أجل ذلك قيل : أربعاء لا تدور ثم انفرد هود ومن معه من المؤمنين ، وفي ذلك يقول شاعرهم : لو أن عاداً سمعت من هود * واتبعت طريقة الرشيد ما أصبحت عاثرة الجدود * صرعى على الآناف والخدود وروى الكلبي عن رجاله عن الأصبغ بن فلان ، قال : كنا عند علي رضي الله عنه في خلافة عمر رضي الله عنه ، فسأل رجل من حضرموت فقال : أعالم أنت بحضرموت ؟ فقال : إذا جهلتها فما أعلم غيرها ، فقال : أتعرف موضع الأحقاف ؟ قال : كأنك تسأل عن قبر هود عليه السلام ، قال : نعم ، قال : خرجت وأنا غلام في أغيلمة من الحي نريد أن نأتي قبره لبعد صيته ، فسرنا في وادي الأحقاف أياماً وفينا من قد عرف الموضع ، حتى انتهينا إلى كثيب أحمر فيه كهوف ، فانتهى بنا ذلك الرجل إلى كهف منها فدخلناه وأمعنا فيه فانتهينا إلى حجرين قد أطبق أحدهما فوق الآخر وفيه خلل يدخل منه النحيف متجانفاً ، فرأيت رجلاً على سرير شديد الأدمة كث اللحية قد يبس على سريره وإذا لمست شيئاً من جسده وجدته صلباً ، وعند رأسه كتابة بالعربية : أنا هود الذي آمنت بالله وأسفت على عاد لكفرها وما كان لأمر الله من مرد ، فقال علي رضي الله عنه : كذلك سمعته من أبي القاسم صلى الله عليه وسلم . اخميم : مدينة في البلاد المصرية في الجانب الشرقي من النيل لها ساحل ، وهي مدينة كبيرة قديمة فيها أسواق وحمامات ومساجد كثيرة وفيها من البرابي وعجائب المباني والآثار ما يعجز الوصف عنه وهي بصعيد مصر . وكان سوريد بن سهلون صاحب الأهرام ملكاً عاقلاً عالماً